يطرح كورنياوان أريف مسبول في مقال تحليلي نشره ميدل إيست مونيتور سؤالًا ثقيلًا خيّم على مؤتمر ميونخ للأمن 2026: أين تقع المساءلة عن أفعال إسرائيل في غزة؟ جاء السؤال صريحًا على لسان نائبة هولندية داخل قاعة المؤتمر، لكن الصمت كان الجواب الأوضح. وبينما انتقلت النقاشات سريعًا إلى ما بعد الحرب، بقي الحاضر الأخلاقي بلا حل، وبقيت العدالة مؤجلة.


يرسم الكاتب صورة لغزة بعد أكثر من عامين من الحرب، حيث تحوّلت المدينة إلى أنقاض، وسقط عشرات الآلاف من الفلسطينيين قتلى، وغالبهم من المدنيين، وتعرّض أكثر من نصف السكان للتهجير. اختفت أحياء كاملة، وانهارت مستشفيات وجامعات وشبكات مياه ومخابز.

 

وتشير المقالة إلى أن لجنة تحقيق أممية خلصت في خريف 2025 إلى أن أفعال إسرائيل ترقى إلى مستوى الإبادة، مستندة إلى القتل الواسع والتهجير القسري وتصريحات رسمية تعبّر عن نية واضحة. كما أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر احترازية لمنع مزيد من الأفعال المحظورة، في حين أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قيادات إسرائيلية بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.


عدالة مؤجلة باسم الاستقرار


ينتقد المقال تحوّل النقاش في ميونخ من المساءلة إلى “ما التالي”: إعادة إعمار، نماذج حكم، وهيئات دولية مقترحة لإدارة غزة. يرى الكاتب في هذا التحول نمطًا تاريخيًا مألوفًا، حيث تُقدَّم إعادة البناء على حساب الحقيقة. ويستدعي دروسًا من البوسنة ورواندا ليحذّر من أن تجاوز العدالة لا يحقق الاستقرار، بل يرسّخ المظلومية ويؤجّل الانفجار.


ويؤكد أن مؤتمر ميونخ، الذي لطالما قدّم نفسه حارسًا للنظام الدولي القائم على القواعد، واجه هذا العام اعترافات أوروبية بتآكل ذلك النظام. ويذهب إلى أن غزة ليست قضية هامشية في هذا التآكل، بل مركزه الأخلاقي.

 

فالقانون الدولي، كما يقول، ليس زينة خطابية؛ واتفاقية منع الإبادة تُلزم جميع الموقّعين بالمنع والعقاب، لا الجناة وحدهم. والاستمرار في تسليح دولة تواجه اتهامات موثقة يحمل تبعات قانونية وسمعية، ويقوّض مصداقية الدول التي تتحدث باسم القيم.


ارتدادات عالمية وتضييق ديمقراطي


يوسّع المقال الدائرة ليبيّن أن آثار الإفلات من العقاب لا تتوقف عند الشرق الأوسط. يشير إلى نمط متصاعد داخل الديمقراطيات الغربية حيث يتقلص هامش التعبير بالتوازي مع تزايد الحصانة في الخارج. يرصد اعتقالات واسعة لمحتجين مؤيدين لفلسطين في بريطانيا، وتحقيقات في ألمانيا بسبب شعارات، وضغوطًا على جامعات في الولايات المتحدة شملت التمويل والتأشيرات. ويحذّر خبراء أمميون من أزمة عالمية في حرية التعبير مرتبطة بالصراع.


ويحذّر الكاتب من تمدّد منطق “الحصار الأمني” إلى الداخل، حيث تُستخدم قوانين مكافحة التطرف لتقييد الكلام، وتُوسّع تعريفات معاداة السامية — الضرورية لمواجهة الكراهية الحقيقية — لتشمل نقد السياسات الإسرائيلية، ما يُحدث أثرًا مُخيفًا على النقاش العام. ويرى في ذلك تناقضًا جوهريًا: لا تحمي الديمقراطيات قيمها بإسكات الأصوات، ولا تعزّز تحالفاتها بتجاهل معاناة المدنيين.


مستقبل غزة وحق الفلسطينيين في تقريره


يشدد المقال على أن مستقبل غزة لا يمكن تصميمه بوصفة تكنوقراطية منفصلة عن العدالة. فالمقترحات المتداولة حول مجالس دولية أو ترتيبات انتقالية قد تبدو عملية، لكنها تفشل إذا همّشت وكالة الفلسطينيين أو تجاوزت المحاسبة. يؤكد الكاتب أن حق تقرير المصير يجب أن يبقى بيد الفلسطينيين في غزة والضفة والشتات، وأن إعادة الإعمار ليست إسمنتًا وحديدًا فحسب، بل كرامة سياسية.


ويدعو إلى دعم عمليات حكم فلسطينية شاملة بدل استبدالها بإدارة خارجية، مستحضرًا درس حقبة أوسلو حيث أدّت الترتيبات المفروضة خارجيًا إلى خيبة أمل متراكمة. ويرى أن الطريق الأمثل يتطلب اتساقًا نادرًا بين الشجاعة الأخلاقية والذكاء الدبلوماسي: دعم المسارات القضائية الدولية دون قطع الحوار أو نسف العلاقات، بل عبر التزام مبدئي بالاتساق.


ويختم بأن سؤال ميونخ — أين تقع المساءلة؟ — لن يحدد فقط أفق غزة، بل أيضاً سلامة النظام الدولي نفسه. عالم يكيل بمكيالين يقترب من الإفلاس الأخلاقي، بينما يزرع الالتزام بالقانون بذور سلام أمتن. أما إعادة إعمار بلا عدالة، فخطرها أن تتحول إلى نصبٍ للتعاطف الانتقائي. وفي الصمت الذي يلي انطفاء أضواء المؤتمرات، يبقى السؤال الأمني الأكثر إلحاحًا معلّقًا: أين المساءلة؟

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260214-munich-2026-faces-gazas-unanswered-call-for-justice/